محمد جمال الدين القاسمي

25

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أولادها في الغالب أوساطا أو منحطين . وإن كان أبوهم راقيا . فلا تحصل الفائدة المطلوبة من تعدد الزوجات وهي إصلاح النسل . بل يجب للحصول على هذا المطلب الأسنى أن يقترن النابغون بالنابغات . ليكون أولادهم مثلهم نبوغا أو أنبغ منهم . بحكم سنة الوراثة . وذلك إنما يتم إذا أحسن النابغون اختيار الأزواج . فنكحوا ما طاب لهم . والنابغة لا يطيب له أن يقترن إلا بمن جمعت نبوغا مثل نبوغه ، إلى حسن رائع . فإن معاشرة الحمقاء ليس مما يطيب للعاقل الراقي . وإن الخير يطلب عند حسان الوجوه . ولذلك قال تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ولم يقل وانكحوا من النساء . وفي قوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ إشارة إلى مراتب نبوغ الرجل ، الثلاث . فكأنه أراد أن لا يتجاوز ، الذي قلّ نبوغه ، الاقتران باثنتين . وأن لا يتجاوز ، الذي نبوغه متوسط ، الاقتران بثلاث . وأن يحل ، للذي نبوغه أعلى من الأولين ، الاقتران بأربع . وأما الخائفون أن لا يعدلوا فيجب أن لا يتجاوزوا الاقتران بواحدة . لأنهم أناس لن يستطيعوا ، مع كل حرصهم ، أن يعدلوا بين النساء . لقصور عقلهم في سياسة المنزل وعدم نبوغهم . وهناك إنسان نبوغه أكبر من كل نبوغ . هو محمد صلى اللّه عليه وسلم . الذي اختاره اللّه لوفور حكمته رسولا منه إلى البشر . قد أحل له أن يقترن بأكثر من أربع لقدرته على العدل بينهن . وأظنك ، بعد قراءة ما أوردت ، تعترف ، إن كنت من المنصفين ، أن الإسلام جاء ، قبل أكثر من ألف وثلاثمائة عام ، بسنّة للزواج ، عليها وحدها يتوقف إصلاح نسل البشر ، الذي أخذ في هذا القرن أفراد من فلاسفة الغرب يحضّون عليه . تلك السنة هي تعدد الزوجات بعد أن كان الرأي العام في الغرب يعيبه عليها . هذا هو الإسلام يقرر أكبر قاعدة للترقي . وهو إباحة تعدد الزوجات ، اللاتي يطبن لوفور جمالهن وعقلهن ، لأفراد نابغين من المسلمين . لا يخافون لوفور عقلهم أن لا يعدلوا بينهن . ولكن المسلمين لم يأتمروا بأمر اللّه . فأباحوا هذا التعدد لكل أحد من المسلمين . للخائفين أن لا يعدلوا . ولغير الخائفين . ففسد النسل . والذي أعان على فساده هو كون القدرة عليه أصبحت ، بحكم الجهل ، منحصرة في المال الذي يجمعه الغاصب والسارق والكاسب . فكثر نسل الظالمين وقلّ نسل العادلين من أهل العقل الراجح . انتهى كلامه . وهو استنباط بديع .